أحمد بن محمد المقري التلمساني
80
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب
الصاحب ، فناولها له ، وعند حصولها في يده قام من غير إشعار لأحد بما دار من إرادة القيام في خلده ، سترا لما ظهر عليه من الرقة على الموالي الأولاد ، وكتما لما عليه من الوجد بهم والمحبّة لهم ، وانفضّ المجلس . وإنما حمل الصاحب على هذا الفعل الذي غرّر بي فيه وخاطر بي بالتعريض له أشياء كان يقترحها عليّ فأنفذ فيها من بين يديه ، ويخف الأمر منها عليّ لدالّتي عليه ، منها أنني كنت في خدمته سنة 599 بدمشق ، فورد عليه كتاب من الملك المنصور محمد ابن الملك المظفر تقي الدين صاحب حماة ، وقد بعث صحبته نسخة من ديوان شعره فتشاغل بتسويد جواب كتابه ، فلمّا كتب بعضه التفت إليّ وقال : اصنع أبياتا أكتبها إليه في صدر الجواب ، واذكر فيها شعره ، فقلت له : على مثل هذه الحال ؟ فقال : نعم ، فقلت بقدر ما أنجز بقية النسخة : [ الطويل ] أيا ملكا قد أوسع الناس نائلا * وأغرقهم بذلا وعمّهم عدلا فديناك هب للناس فضلا يزينهم * فقد حزت دون الناس كلّهم الفضلا ودونك فامنحهم من العلم والحجا * كما منحتهم كفّك الجود والبذلا إذا حزت أوفى الفضل عفوا فما الذي * تركت لمن كان القريض له شغلا « 1 » وما ذا عسى من ظلّ بالشعر قاصدا * لبابك أن يأتي به جلّ أو قلّا فلا زلت في عزّ يدوم ورفعة * تحوز ثناء يملأ الوعر والسّهلا ووقع لابن ظافر أيضا من هذا النمط أنه دخل في أصحاب له يعودون صاحبا لهم ، وبين يديه بركة قد راق ماؤها ، وصحت سماؤها ، وقد رصّ تحت دساتيرها نارنج فتن قلوب الحضّار ، وملأ بالمحاسن عيون النظّار « 2 » ، فكأنما رفعت صوالج فضّة على كرات من النّضار « 3 » ، فأشار الحاضرون إلى وصفها ، فقال بديها : [ الكامل ] أبدعت يا ابن هلال في فسقيّة * جاءت محاسنها بما لم يعهد عجبا لأمواه الدساتير التي * فاضت على نارنجها المتوقّد « 4 » فكأنهنّ صوالج من فضّة * رفعت لضرب كرات خالص عسجد [ من ارتجال ابن قلاقش الإسكندري ] ومن بديع الارتجال ما حكاه المذكور عن ابن قلاقس الإسكندري رحمه اللّه تعالى إذ
--> ( 1 ) القريض : الشعر . ( 2 ) النظّار : المشاهدون . ( 3 ) النضار : الذهب . ( 4 ) الأمواه : جمع ماء .